عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

163

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

أجمع على جلالته وعلو شأنه أعلام العلماء ، وأكابر المشايخ الموجودون في زمانه ، فاق أقرانه علما وعملا ومقاما وحالا وورعا وتوكّلا وتحقيقا وتمكينا وجلالة . وكان قد أراد الانتقال إلى مصر والتوجّه إلى المغرب ، فجاءه بعض الفقراء مودعا له فوضع تحت سجادته نفقة فوجدها ، فتعجّب من أدب الفقير ، وجعل يفكر في خلق الفقير معه في ذلك ، فنوى الإقامة لنفعه فأقام بسببه . هكذا روى عنه تلميذه الشيخ أبو العباس القسطلاني . وقال ولده الشيخ الإمام قطب الدين القسطلاني « 1 » رحمة اللّه عليهما : الفقير الذي وضع النفقة تحت سجادة الشيخ هو والدي ، يعني الرواي المذكور ، باع دارا له بخمسة آلاف فوضعها تحت سجادة الشيخ « 2 » . وله لسان عال في الشرائع والحقائق ، مشتمل على فوائد جليلة ، وفرائد جميلة ، وها أنا أذكر شيئا منها ، فاصلا بعض أقواله ببعض ، بفاصل بين كل قولين ، فمن ذلك قوله : الزم الأدب وجدك من العبودية ، ولا تتعرّض لشيء ؛ فإن أرادك له أوصلك إليه ، ومن لم يدخل في الأمور بالأدب لم يدرك مطلوبه منها ، ومن لم يراع حقوق الإخوان بترك حقوقه حرم بركة الصّحبة ، ولن يبلغ العبد من قلوب الرجال بعمل ما يبلغه بمحاسن الأخلاق ، والشأن كله في التخلّق ، وعلى قدره يكون التحقيق في الشريعة ، والاطلاع على أسرار ما يتحقق به أهل الحقيقة والشريعة ، وبحفظ أدب الشريعة صار إماما للمتّقين . من أخرج مريدا عن حاله وهو غير قادر على ردّه عليه فهو متعد ، لا ينبغي للشيخ أن يأمر المريد بالخروج عن أسبابها ، إلا أن يكون قادرا على حمله ومتحكم في حفظه . القدر سرّ لا يعلمه إلا الأنبياء وبعض الصدّيقين ، ومن لم يجد الزيادة بعد ورود الواردات فهو خداع ، والعمل من غير سنة بطالة . الخوف طريق أهل العلم ، والرجاء طريق أهل العمل .

--> ( 1 ) قال الشيخ القوصي : جمع بين التصوف والعلم ومكارم الأخلاق والنفع لعباد اللّه تعالى أقام بمكة - شرّفها اللّه تعالى - سنين كثيرة وهبط إلى القاهرة وأقام بها مدرسا . وكان يلبس الخرقة الشيخ شهاب الدين السهروردي ، ورأيته وما خالطته ، وصفاته مشهورة - رحمه اللّه تعالى . انظر : الوحيد ( 313 ) بتحقيقنا ، طبع دارة الكرز . ( 2 ) انظر : القلائد ( ص 374 ) .